أوجاع الغربة


بالرغم من المقالات العديدة التي خصصت لمعاناة المصري في الخارج، وحتى لا يتهمنا البعض بالمتاجرة بمشاكل المصريين في الخارج او حتى بالتحدث بلسانهم، للأسف الموضوع أهم وأعمق من تلك الجوانب التي يتخذها البعض مجالا واسعا للانتقاد والمحاربة الباطلة.
القضية أصبحت قضية إنسانية بحتة، وبعيدة كل البعد عن المصالح الشخصية وعن التصارع والتناحر، ولكنها قضية مصري في الكربة أقصد مصري في الغربة ولو أن مصطلح كربة أقرب إلى الصواب.
فمن منا لم يسافر ومعه أحلام وآمال صوبت نحو الخارج ورغد العيش وتحسين الحالة الاجتماعية والاقتصادية، فجميعنا يسافر من أجل نفس الغرض، ومن منا لم يترك الوطن والأهل على أمل تحسين الدخل، وأن يعيش بكرامة وبعزه دون أن يحتاج لغيره.
إلا أن ومع أول لحظة في الغربة يواجه الحقيقة المرة، ويصاب بخيبة الأمل سواء في صعوبة البحث عن عمل أو في عدم التكيف مع أوضاع البلد الجديد، ولكن الأدهى والأمر هو ما يواجه المصري بالخارج من انتهاكات وإهدار للحقوق، فهناك أمثلة عديدة منها بدءا بمسألة الكفيل خاصة في دول الخليج، وانتهاء بالهجرة غير الشرعية بأوروبا وغيرها من الدول، فكم من جرائم ترتكب في حق المصري بالخارج، وكم من إهانة وانتهاكا لحقه كإنسان دون أن يجد من يعينه أو يأخذ حقه. وكم من مصري وافته المنية ولم نعلم عنه شيء، وبالرغم من التحرك السريع من المسؤلين والاستجابة لحل العديد من المشكلات، والحقيقة التي لا ينكرها أحد أن الدولة المصرية أخذت علي عاتقها حفظ كرامة المصري بالخارج في الفترة الأخيرة، إلا أن هناك الكم الهائل من المشكلات خاصة المتعلقة بالهجرة غير الشرعية.
فكم من مصري ضرب وقتل وأهين في الكربة أقصد في الغربة، وكم من مصري تم ترحيله دون أحكام عادلة، وذلك لأن كل مصري لديه مخيل بأن الغربة جنة لكنها والله ليست كذلك، وأعتقد أن المشكلة الحقيقية في هذه القضية هي الوعي والتقصير من جانب الشخص نفسه تجاه نفسه، فالمصري يأتي إلى الخارج دون أوراق إقامات شرعية ولا يريد الإبلاغ عن نفسه في بلاد المهجر خوفا من الترقب والترحيل، فيبقي مثبوتا علي أنه ما زال بمصر فإذا ما حدث له مشكلة أو تم قتله وافته المنية لا يعرف عنه أحدا، ولا تستطيع السفارة أو المسؤلين اتخاذ إجراءات للبحث عنه لأنه ليس مدونا في سجلاتها ولا حتي معترف بأنه في الخارج.
فعندما نسمع كل يوم يلو الآخر عن انتهاك أو عنف يقع على أي مصري، نشعر بتقصير يقع على عاتق كل مصري وليس على المسئولين فقط، لأننا جميعا نقف مكتوفي الأيدي ضد قتل المصريين، وضد انتهاك حقوق مصريي الخارج، فماذا عملنا نحن كمصريون في الخارج عندما تعرض مصريون للقتل في اليونان وغيرهم في إيطاليا، وماذا عن استخدام العنف ضد المصريون في أوروبا وغيرها، وأين نحن من انتهاكات الكفيل ضد المصريون في الخليج، ولا بد وأن يكون هناك برامج توعية تقدم لهؤلاء الشباب في أوروبا وغيرها من الدول التي تكون مجالا للهجرة غير الشرعية.
الحقيقة أن وزارة الهجرة تسعي جاهدة لحل تلك المشكلة، ولكن نحن أيضا كمصريو الخارج مسؤلون أمام الله عن تلك القضية التي راح ضحيتها العديد من الشباب الذين لم يجد من يمد يد العون لهم، ولا يوجد تواصل بين الكيانات الموجودة وبين هؤلاء الشباب، ولا يوجد قاعدة بيانات تخصهم، لكن لا بد وأن تنهض الجاليات المصرية بكل دولة بعمل جهودها للتواصل معهم، وأيضا على الأقل وسيلة للتواصل معهم وإخبارهم بأن التواصل معهم مهم جدا ويساعد في حل مشاكلهم.
فقط كل ما قمنا به هو أن الانقسام والتشتت، وكل يوم يخرج علينا من يحارب ويقاوم أي أحد يتطرق لمثل هذه القضايا، فلا يتحدثون ولا يتركون غيرهم يناقش ويعرض هذه الانتهاكات، والحجة أنه لا يجوز لأحد أن يتكلم باسم المصريين في الخارج.
إلى متى سنظل هكذا مطموسي القلب ومعميي البصر عما يحدث، ونترك كل هذه الانتهاكات في حق المصريون بالخارج، فقط إذا خلصت النوايا ولم تتخذ تلك المشكلات كذريعة للاتجار بقضايا المصريين في خارج الوطن، وقتها إذن سنجد حلا ومؤكدا سيصل صوتنا إلى المسئولين ضد كم الانتهاكات التي ترتكب في حق المصريون في الكربة (الغربة).